أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
130
العقد الفريد
فقال له عبيد اللّه بن زياد : إذا كان خير الناس أما وأبا وخير عباد اللّه ، فلم قتلته ؟ قدّموه فاضربوا عنقه ! فضربت عنقه . روح بن زنباع عن أبيه عن الغاز بن ربيعة الجرشي قال : إني لعند يزيد بن معاوية إذ أقبل زحر بن قيس الجعفي حتى وقف بين يدي يزيد ، فقال : ما وراءك يا زحر ؟ فقال : أبشرك يا أمير المؤمنين بفتح اللّه ونصره ، قدم علينا الحسين في سبعة عشر رجلا من أهل بيته ، وستين رجلا من شيعته ، فبرزنا إليهم وسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير أو القتال ، فأبوا إلا القتال ، فغدونا عليهم مع شروق الشمس ، فأحطناهم من كل ناحية ، حتى أخذت السيوف مأخذها من هام الرجال فجعلوا يلوذون منا بالآكام والحفر كما يلوذ الحمام من الصقر ، فلم يكن إلا نحر جزور أو قوم « 1 » قائم ، حتى أتينا على آخرهم : فهاتيك أجسامهم مجزّرة « 2 » ، وهامهم مرمّلة « 3 » ، وخدودهم معفّرة ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الريح بقاع سبسب ، زوّارهم العقبان والرخم « 4 » ! قال : فدمعت عينا يزيد ، وقال : لقد كنت أقنع من طاعتكم بدون قتل الحسين . لعن اللّه ابن سمية ! أما واللّه لو كنت صاحبه لتركته ، رحم اللّه أبا عبد اللّه وغفر له . علي بن عبد العزيز عن محمد بن الضحاك بن عثمان الخزاعي عن أبيه ، قال : خرج الحسين إلى الكوفة ساخطا لولاية يزيد بن معاوية ، فكتب يزيد إلى عبيد اللّه ابن زياد وهو واليه بالعراق : إنه بلغني أن حسينا سار إلى الكوفة ، وقد ابتلي به زمانك بين الأزمان ، وبلدك بين البلدان ، وابتليت به من بين العمال ، وعنده تعتق أو تعود عبدا .
--> ( 1 ) قوم قائم : نهوض ناهض . ( 2 ) مجزرة : مقطعة . ( 3 ) مرملة : يريد أن الرمل قد ملأ فتحات الرأس ومنافذه ومداخله . ( 4 ) الرخم : طائر غزير الريش .